كان العراق متقدماً على بلدان المنطقة بإعطاء الأولوية القصوى للتعليم منذ أول تأسيس الدولة العراقية عام 1921.
بُنيت جامعات رصينة و كبيرة إبان العهد الملكي وحتى الجمهوري، مثال ذلك، جامعةُ بغداد التي تأسست عام 1957 كانت لبناتها الاولى قبل ذلك في عام 1908 عندما تأسست ( مدرسة الحقوق ) و تبعها بسنواتٍ اخرى ( دار المعلمين ) ومن ثم الطب والصيدلة والتربية .
لكن ما يحصل اليوم يثير الشكوك في نوايا كثيرين يضمرون الشر للعراق بالعمل على نسف عامود أساسي يرتكز عليه المجتمع وهو التعليم.
 
قانون محو الأمية في العراق:
 
شهد العراق في سبعينات القرن الماضي، طفرةً لا بأس بها في مجال التعليم العالي فضلاً عن التعليم الاساسي، لا بل تعدى الأمر الى سّن قانون محو الأمية في عام 1971. ساهم بتقليل معدلات الأمية في هذا البلد الذي علّم العالم القراءة والكتابة قبل آلاف السنين.
لا بل أصبح العراق، منارة للعلم في المنطقة ومصدراً للمعرفة والمعلومات وذلك لامتلاكه في ذلك الوقت نظاماً تعليمياً يُعتبر من أفضل الانظمة التعليمية، وكان الأول عربياً بحسب تقارير اليونسكو عام 1980.
 
حروبٌ قتلت الشباب و جرحت التعليم !
 
مع نشوب الحرب العراقية الايرانية عام 1980 وغزو العراق للكويت عام 1991، بدأت مرحلة التراجع عن مكتسبات ستين عاماً من بناء التعليم في العراق، وبرغمِ ذلك بقيت الرصانة التعليمية موجودةً بمختلف الاختصاصات العلمية والادبية، حتى في زمن الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق بعد 1991 ولغاية سقوط نظام صدام حسين عام 2003 .
ازدهار الأمية المجتمعية بعد 2003
تراكم الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية منذُ عام 1980، وتفاقم هذه الأزمات بعد عام 2003 من حربٍ طائفية وتمترسٌ مذهبي و قومي، والفساد، عوامل أدت إلى أن يزدادُ الطينُ بلة في هذا المضمار. أصبح العراق بسبب هذه التداعيات من الدول المتصدرة لأعلى نسب الامية، حيثُ قالت أحدث التقارير الاممية إن أكثر من 11 مليون من مختلف الأعمار هم "أميّون" لا يُجيدون القراءة ولا الكتابة، وذلك من أصل 40 مليون مواطن عراقي، و هذا ما يدق ناقوس خطر من استفحال الجهلٌ المجتمعي، ( خاصةً ان العراق هو بلدٍ إسلامي يخشى فيه البعض من استحواذ بعض المنابر على عقول الناس، تُشيع بينهم الخرافات لتكون بديلاً عن العلم، و أن يكون التجهيل مُمنهج ليبقى المواطن رهينة عدم التفكير والاعتماد على ما يسوّق لهم من مفاهيم معينة ) أدّت هذه الاميّة في القراءة والكتابة، الى نشوء اُميّةً ملحوظة في الوعي المجتمعي، فازدادت على أثرها المشاكل الاجتماعية وحتى السياسية. أصبح الكثير من العراقيين، لا يحتكمون الى مؤسسات الدولة لحل مشاكلهم الخاصةِ والعامة، لا بل انعكست هذه الاميّة حتى على الوعي الانتخابي للمواطن العراقي،الذي انقسم بين مقاطعٍ للانتخابات، أو ناخبٍ لسياسيٍ يُرشي المجتمع بوعود أغلبها كاذبة !
 
التعليم الأهلي:
 
بسبب الانفجار السكاني، و الوعودٌ الكاذبة للحكومات المتتالية ببناء مدارسٍ ومؤسسات علمية، طفا الى السطح مصطلح التعليم الأهلي، ورغم ايجابية الأمر، لما فيه من تشغيلٍ لأبناء هذا السلك في القطاع الخاص وامتصاص لبعض البطالة في قطاع الشباب لكن العامل السلبي هو الإصرار على إهمال قطاع التعليم، لا بل أصبح الأمر وكأنه خطة مدروسة لخصخصة القطاع وحتى طبع المناهج التعليمية.
الرابح الاكبر هنا، هم مافيات الأحزاب الحاكمة، فجُل الجامعات الأهلية تابعة لشخصياتٍ وأحزاب تدر عليهم ملايين الدولارات سنويا كدخلٍ ثابت لهيئاتهم الاقتصادية التي لها إصبع في كل مؤسسات الدولة العراقية.
مقابل هذه الأموال التي يعطيها الطالب نظير شهادته الجامعية، يريد أن يعوض ملايين دنانيره التي خسرها، بأن يجد وظيفة حكومية بانتظاره وسط انهيار القطاع الخاص واتجاه الحكومات لتعيين الشبان لأجنداتٍ انتخابية، عُرفت بأنها "سياسة التعيين مقابل التصويت"!
بالتزامن مع هذا، ظهرت في العراق ظاهرة (شراء رسائل الماجستير والدكتوراه) وهي ظاهرة ضربت رصانة الشهادات الجامعية و التعليم في العراق بشكلٍ عام، كان المستفيد منها جامعات أجنبية لا تملك رصانة وغير معترف بها عالمياً، تُعطي شهادات الماجستير والدكتوراه بلا استحقاقٍ علمي، و ذلك نظير مبلغ مالي من الطالب.
أغلب من حصل على هذه الشهادات هم الساسة والمقربون من الأحزاب من أجل الحصول على مكاسب وظيفية وصلت حتى لاستلام مناصب وزارية رفيعة.
في حين كانت الحكومة السابقة قد وجهت بعدم الاعتراف بدرجات الماجستير والدكتوراه المستوردة من جامعات اجنبية، بيدْ أن الحكومة الحالية في موازنتها لعام 2023، قد أقرت بأحقية أن تقوم وزارة التعليم العالي، باستحداث فروع في الجامعات والكليات الاهلية العراقية، لتمنح شهادات الدبلوم والماجستير والدكتوراه .
الأمر الذي اعتبره أكاديميون عراقيون، بأنها رصاصة الرحمة على رصانة التعليم في العراق!